الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

134

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْغَنِيُّ بيانا لوجه التنزيه ، أي هو الغني عن اتخاذ الولد ، لأن الإلهية تقتضي الغنى المطلق عن كل احتياج إلى مكمل نقص في الذات أو الأفعال ، واتخاذ الولد إما أن ينشأ عن اندفاع طبيعي لقضاء الشهوة عن غير قصد التوليد وكونها نقصا غير خفي ، وإما أن ينشأ عن القصد والتفكير في إيجاد الولد ، وذلك لا يكون إلا لسد ثلمة نقص من حاجة إلى معنى في الحياة أو خلف بعد الممات . وكل ذلك مناف للإلهية التي تقتضي الاتصاف بغاية الكمال في الذات والصفات والأفعال . والغنيّ : الموصوف بالغنى ، فعيل للمبالغة في فعل ( غني ) عن كذا إذا كان غير محتاج ، وغنى اللّه هو الغنى المطلق ، وفسر في أصول الدين الغنى المطلق بأنه عدم الافتقار إلى المخصّص وإلى المحل ، فالمخصص هو الذي يعين للممكن إحدى صفتي الوجود أو العدم عوضا عن الأخرى ، فبذلك ثبت للإله الوجود الواجب ، أي الذي لا يتصور انتفاؤه ولذلك انتفى عنه التركيب من أجزاء وأبعاض ومن أجل ذلك امتنع أن ينفصل عنه شيء منه ، والولد ينشأ من جزء منفصل عن الوالد ، فلا جرم أن كان الغنيّ منزّها عن الولد من جهة الانفصال ، ثم هو أيضا لا يجوز أن يتخذ بعض المخلوقات ولدا له بالتبني لأجل كونه غنيا عن الحاجات التي تبعث على اتخاذ الولد من طلب معونة أو إيناس أو خلف ، قال تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] وقال : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ [ الأنعام : 101 ] . وجملة : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مقررة لوصف الغنى بأن ما في السماوات وما في الأرض ملكه ، فهو يسخر كل موجود لما خلقه لأجله ، فلا يحتاج إلى إعانة ولد ، ولا إلى ترفيع رتبة أحد استصناعا له كما يفعل الملوك لقواد جيوشهم وأمراء أقطارهم وممالكهم لاكتساب مودتهم وإخلاصهم . وهذا مساو للاستدلال على نفي الشريك في قوله آنفا أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [ يونس : 66 ] ودل قوله : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ على أن صفة العبودية تنافي صفة البنوة وذلك مثل قوله : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] . ويؤخذ من هذا أن الولد لا يسترقّ لأبيه ولا لأمّه ولذلك يعتق الولد على من يملكه من أب أو أم وإن عليا . وجملة : إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا جواب ثان لقولهم : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً فلذلك